لقد حدث ذلك قبل تسعة أيام، عملية "روتينية"، من النوع الذي يتم تنفيذه كل يوم في المناطق الفلسطينية المحتلة. ولكن في هذه المرة أثارت هذه العملية ردا دوليا، لأنه كان من المخطط في اليوم ذاته أن يلتقي إيهود أولمرت بالرئيس المصري، حسني مبارك، في شرم الشيخ. لقد شعر المضيف بإهانة كبيرة. الإسرائيليون يستهترون به ويجعلون شعبه يسخر منه وكذلك العالم العربي بأسره. في نهاية اللقاء عبر عن غضبه بكلمات شديدة اللهجة بحضور أولمرت، وهمس الأخير ببعض كلمات الاعتذار الواهية. بدأت في إسرائيل فورا لعبة من تحميل المسؤولية، أو تغطية المؤخرة. من هو المسؤول؟ حارس الوحدة كالعادة. لقد اشتبه أتباع أولمرت أن عمير بيرتس، وزير الدفاع، أراد عرقلة أولمرت. بيرتس أنكر أنه كان يعرف مسبقا بالعملية (!) وحمّل رئيس الأركان المسؤولية، الذي أراد بدوره أن يعرقل كل من بيرتس وأولمرت. رئيس الأركان حمّل قائد لواء المركز، يئير نافيه، المسؤولية وهو كما هو معروف جنرال يعتمر "الكيباه" وحشي بشكل مميز ويميني متطرف. في نهاية الأمر، اتفق على أن ضابط برتبة أدنى هو الذي صادق على العملية، وهو يتحمل المسؤولية لوحده.

لو صدقنا كل هذه الإنكارات - وأنا بالتأكيد لا أصدقها- فنحن أمام صورة لجيش فوضوي، لا يخضع لأية سيادة أو مراقبة، حيث كل ضابط فيه يعمل ما يراه مناسبا (أو غير مناسب).

بعد مرور يومين، زرنا - زوجتي راحيل وأنا - ذلك المكان. كان ذلك قبيل المساء. مطر خفيف كان يهطل بين الفينة والفينة، وكان ميدان المنار قد عج بالناس مرة أخرى. في كل الشوارع الستة، التي تتصل بالميدان، كانت هناك اختناقات مرورية كبيرة. زكريا، وهو صديقنا الفلسطيني الذي رافقنا، كان قلقا. لقد حاول الحول دوننا من المجيء إلى المكان، في المساء التالي بالذات، لئلا ينتقم منا السكان الغاضبون. ولكنه لم يحدث أي شيء من هذا القبيل. كانت هناك يافطات تحمل صورة ياسر عرفات على العمود المركزي في الميدان وعلى بعض الجدران. في أحد المتاجر الصغيرة كانت تُعرض للبيع أيضا صور صدام حسين. على أحد الجدران كان هناك رسم جداري غاضب باللغة الإنجليزية: "نحن لسنا بحاجة إلى مساعدتكم!" (مساعدة الأمريكيين؟ مساعدة الأوروبيين؟ مساعدة منظمات الإغاثة؟) الأسود الأربعة التي كانت منتصبة في مركز الميدان بدت لي حزينة ولا حول لها ولا قوّة. كان أحدها يحمل في قائمته ساعة يد. الرجل الذي قام بتصميم هذه الأسود رغب في أن يرسم ساعة يد على رجل أحد الأسود، وعندما أرسل التصميم إلى الصين، اهتم الصينيون، الذين يفتقرون إلى روح الدعابة، أن ينفذوا التصميم بحذافيره.

في النهاية دخلنا إلى مقهى. وبينما كنا نرتاح ونحتسي قهوتنا، يحيط بنا الناس، انطفأ النور فجأة في الحي كله وساد ظلام دامس. قبل أن يبدأ قلقنا، تم إشعال الولاعات والهواتف الخليوية من كل حدب وصوب. بعد بضع دقائق أضيئت الأنوار ثانية. في طريق عودتنا إلى الفندق الواقع في شارع جانبي، استأجرنا سيارة أجرة. السائق الذي لم يكن يعرف أن المسافرين معه هم من الإسرائيليين، كان يتحدث مع أخيه باللغة العربية عن طريق هاتفه الخليوي. وقد ودعه بعبارة "يلاّ لهيتراؤوت، باي". يلاّ بالعربية، باي بالإنجليزية، لهيتراؤوت بالعبرية.

عندما أخبرنا أصدقاءنا في تل أبيب أننا ننوي السفر إلى المؤتمر في رام الله، قالوا بأن ضربا من الجنون قد أصابنا. إلى رام الله؟ والآن بالذات، بعد ما حدث هناك؟ حتى منظمي المؤتمر - وهم مجموعة عالمية من الأكاديميين تطلق على نفسها اسمFFIPP - قد ترددوا. صحيح أن المؤتمر قد تم تحديده لهذا الموعد منذ أسابيع، ولكن أليس من المفضل تأجيله لأسبوع أو لأسبوعين؟ هل يمكن إحضار عشرات الإسرائيليين إلى رام الله، بعد أقل من 24 ساعة من عملية القتل؟ في نهاية الأمر، اتخذ قرار بأن هذا هو الوقت والمكان الملائمين، وقد التأم المؤتمر في موعده. تم إسكان ممثلين عن 23 منظمة فلسطينية، 22 منظمة إسرائيلية و 15 منظمة دولية، لمدة ثلاثة أيام، في فندق في المدينة، فتحدثوا وتناولوا الطعام معا وتحاوروا حول الموضوع الواحد والوحيد الذي يشغل بال جميعنا: كيف نتصرف سوية لكي نضع حدا للاحتلال، الذي تحول سفك الدماء في ميدان المنار إلى إحدى عادته اليومية. كان من المهم عقد المؤتمر في هذا المكان بالذات لسبب آخر: منذ قتل ياسر عرفات، تضعضعت العلاقات بين قوى السلام الإسرائيلية والفلسطينية على المستويات الرفيعة. بخلاف تما لياسر عرفات (الذي أزيلت مؤخرا آخر الشكوك حول حقيقة أنه قد قُتل)، فإن أبا مازن لا يرى في هذه العلاقات أهمية. هذا أحد الأسباب الكثيرة للتشاؤم الذي استحوذ على جزء من معسكر السلام. لذلك كانت هناك أهمية كبرى لمجرد عقد المؤتمر. الإسرائيليون والفلسطينيون ونشطاء دوليون جلسوا معا، مختلطين، وقاطع أحدهم حديث الآخر، واقترحوا اقتراحات لإنجاز نشاطات، وأكدوا الهدف المشترك. لقد بدا الأمر واضحا في اليوم الثاني، حين توزع المؤتمر إلى ورشات عمل مصغّرة، حيث طرح المشاركون في المؤتمر من تل أبيب ومن الخليل، من نابلس ومن نيويورك، من برشلونة ومن كفار سابا أفكارا للعمل المشترك. كما احتدم هناك النقاش، ولكن ليس بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل بين أصحاب الأفكار المختلفة التي تجاوزت الحدود القومية. كان النقاش الرئيسي: هل يكون محور الجهد الرئيسي في البلاد أم في الخارج؟ ادعى ممثل إحدى المنظمات الإسرائيلية بشغف أنه ليس ثمة ما يمكن فعله في البلاد، ويجب تركيز النشاط في تجنيد الرأي العام خارج البلاد. إن نموذج هذا العمل هي المقاطعة العالمية التي فرضت في حينه على جنوب أفريقيا. بالمقابل، ادعى مندوب فلسطيني بالذات أن الأمر الوحيد المهم هو التأثير على الرأي العام في إسرائيل، فهي في نهاية الأمر الجهة المحتلة. أنا أيضا ادعيت أنه يجب بذل الجهد الرئيسي في إسرائيل، رغم أنه يجب عدم الاستهتار بالعمل خارج البلاد. ولكني عارضت بشدة أية فكرة لفرض مقاطعة شاملة على إسرائيل، وذلك لأن هذا، إضافة إلى أمور أخرى، سوف يدفع الجمهور ليسقط لقمة سائغة بين فكي اليمين. (أنا أؤيد مقاطعة عينية يتم فرضها على هيئات تتعاطف بشكل مباشر أو غير مباشر مع الاحتلال، مثل المستوطنات، مزودي عتاد عسكري معين، الجامعات التي لها فروع في المناطق المحتلة وما شابه ذلك.)

بعد عدة أيام تم عقد مؤتمر - وكأنه مواز- في العاصمة الأسبانية. غير أنه ثمة فرق بين المؤتمرين- كالفرق بين ميدان الشمس في مدريد وميدان المنار في رام الله. لقد اجتمعت في مدريد شخصيات مرموقة، أعضاء كنيست من إسرائيل (ومن بينهم مؤيدو الحكومة المسؤولة عن سفك الدماء في رام الله، وكذلك ممثل عن حزب فاشي جديد)، إضافة إلى شخصيات مرموقة من السلطة الفلسطينية وزملاء من الدول العربية والعالم. وأما في رام الله فقد اجتمع قدامى النشاط السلمي، أشخاص كانوا قد وقفوا طيلة عشرات السنين في سُحب الغاز المسيل للدموع وواجهوا العيارات المطاطية. مجموعة واحدة فقط من الإسرائيليين والفلسطينيين وصلت سوية في نهاية اليوم الأول فقط، لأنهم حضروا من المظاهرة في بلعين مباشرة، التي استخدم فيها الجيش في ذلك اليوم خراطيم المياه، الغاز والعيارات. لقد وصل الضيوف إلى مدريد بالطائرة. أما الضيوف الذين حضروا إلى رام الله فقد واجهوا صعوبة في الوصول. كان على الإسرائيليين أن يتملصوا من الحواجز عند مجيئهم، وخاصة عند عودته إلى الدولة. بالنسبة للإسرائيليين (اللهم إلا المستوطنين) فإن مجرد التواجد في المناطق المحتلة هو بمثابة مخالفة للقانون. أما بالنسبة للحضور العرب فقد كانت الطريق أكثر وعورة بكثير. لقد روى ضيف حضر من نابلس أنه قد خرج من بيته في الساعة الثانية من بعد منتصف الليل ليصل إلى رام الله في الساعة الحادية عشرة. الضيف القادم من طوباس، الواقعة بجوار نابلس، قد قضى على الطرقات وعلى الحواجز ثماني ساعات - أكثر من الوقت الذي يستغرق الوصول من تل أبيب إلى مدريد. لقد تمت تغطية مؤتمر مدريد من قبل كافة وسائل الإعلام، يوما بعد يوم. أما مؤتمر رام الله فقم يأتي ذكره بأية كلمة في أية صحيفة أو في أية نشرة إخبارية في التلفزيون والراديو، فيما عدى سطر واحد في زاوية الثرثرة في صحيفة "معاريف"، حيث جاء هناك أن "أوري أفنيري قد انتقل للسكن مؤقتا في رام الله".

مؤتمر مدريد كان مهما بالأساس كإثبات بأن بإمكان السياسيين الإسرائيليين والفلسطينيين أن يجلسوا معا، بعد كل ما حدث. ما هي أهمية المؤتمر الذي عقد في رام الله؟ كنت قد شاركت في الماضي في محاولات مماثلة، لم تثمر. في هذه المرة أيضا، كانت العقبات هائلة، ولكن، أكثر من أي مرة مضت، كان من الواضح أن هناك حاجة إلى عمل لمقاومة الاحتلال، وأن على العمل أن يكون مشتركا، منهجيا ومخططا له. بعد خمسة أشهر سيبلغ عمر الاحتلال 40 سنة - ربما هذا أطول حكم احتلال في التاريخ. لقد كان في المؤتمر اتفاق عام على أنه يجب أن تتظافر كل القوى للإشارة إلى هذا التاريخ المخزي في حملة جماهيرية واسعة للإشارة إلى الظلم وإلى الأضرار التي ألحقها، ليس بالفلسطينيين فحسب بل بالإسرائيليين أيضا. على هذه الحملة أن تعيد الخط الأخضر إلى وعي الجمهور، أن تنشط ضد الحواجز وضد الجدار العنصري وأن تدعو إلى إطلاق سراح الأسرى لدى الطرفين. لهذا الهدف تمت إقامة "ائتلاف إسرائيلي-فلسطيني-دولي لإنهاء الاحتلال". البقية تتعلق بقوة الإرادة، بالشجاعة وبالالتزام بالمهمة، من قبل جميع قوى السلام - وبقدرتها على التعاون متخطية الحواجز، الأسيجة والجدران، التي تهدف إلى منع مثل هذا التعاون.

الوقت